أثار طلب زكريا (عليه السلام) الوارد في قوله تعالى ]قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً[ مريم/10 جدلاً كبيراً من جهة الدافع الذي دعاه إلى طلب جعل الآية.
ومع أن الأمر حسب ما نعتقد لا يخل بعصمة نبي الله زكريا لأن طلبه على أي وجه حمل لن يكون معصية أو خطأ لا سهواً ولا عمداً، والدليل القاطع على ذلك استجابة الله سبحانه لطلبه إذ قال ]آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا[ مريم/10 .
ومعلوم أن الطلب لا يستجاب من العلي الأعلى سبحانه إن كان فيه معصية أو خطأ، إلا أننا ولأجل سد ما نجده من شبهات القادحين في موضوع العصمة نجري البحث فيما قد يلتبس على البعض من أقوال وأفعال المصطفين من عباد الله التي أتى القرآن الكريم على ذكرها.
ومن ذلك ما جاء في طلب زكريا (عليه السلام) أن يجعل له ربه تبارك وتعالى آية، فنقول:
ذكر بعض المفسرين أن طلب جعل الآية من زكريا (عليه السلام) كان لأجل أن يتحقق من أن النداء الذي نادته به الملائكة كان رحمانياً لا شيطانياً، وذكر بعضهم أن الآية التي طلبها كانت لأجل بيان الوقت الذي تتحقق به البشرى، وقد دافع العلامة السيد الطباطبائي (قدس الله روحه) عن التوجيه الأول لطلب الآية فقال:
"وسؤاله (عليه السلام) من ربه أن يجعل له آية – والآية هي العلامة الدالة على الشيء – هل هو ليستدل به على أن البشارة إنما هي من قبل ربه، وبعبارة أخرى هو خطاب رحماني ملكي لا شيطاني؟ أو لأنه أراد أن يستدل بها على حمل امرأته، ويعلم وقت الحمل، خلاف بين المفسرين.
والوجه الثاني لا يخلو عن بعد من سياق الآيات وجريان القصة لكن الذي أوجب تحاشي القوم عن الذهاب إلى أول الوجهين، أعني كون سؤال الآية لتمييز أن الخطاب رحماني هو ما ذكروه: أن الأنبياء لعصمتهم لابد أن يعرفوا الفرق بين كلام الملك ووسوسة الشيطان، ولا يجوز أن يتلاعب الشيطان بهم حتى يختلط عليهم طريق الإفهام.
وهو كلام حق لكن يجب أن تعلم أن تعرفهم إنما هو بتعريف الله تعالى لهم لا من قبل أنفسهم واستقلال ذواتهم، وإذا كان كذلك فلِمَ لا يجوز أن يتعرف زكريا من ربه أن يجعل له آية يعرف بها ذلك ؟ وأي محذور في ذلك ؟
نعم لو لم يستجب دعاءه ولم يجعل الله له آية كان الإشكال في محله.
على أن خصوصية نفس الآية – وهي عدم التكليم ثلاثة أيام تؤيد بل تدل على ذلك فإن الشيطان وإن أمكن أن يمس الأنبياء في أجسامهم أو بتخريب أو إفساد في ما يرجونه من نتائج أعمالهم في رواج الدين واستقبال الناس أو تضعيف أعداء الدين كما يدل عليه قوله تعالى ]وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ[ ص: 41، وقوله تعالى ]وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ[ الحج: 52، وقوله تعالى ]فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ[ الكهف: 63.
لكن هذه وأمثالها من مس الشيطان وتعرضه لا تنتج إلا إيذاء النبي، وأما مسه الأنبياء في نفوسهم فالأنبياء معصومون من ذلك، وقد مرّ في ما تقدم من المباحث إثبات عصمتهم (عليهم السلام) والذي جعله الله تعالى آية لزكريا على ما يدل عليه قوله ]آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ[آل عمران/41 هو أنه كان لا يقدر ثلاثة أيام على تكليم أحد ويعتقل لسانه إلا بذكر الله وتسبيحه، وهذه آية واقعة على نفس النبي ولسانه وتصرف خاص فيه لا يقدر عليه الشيطان لمكان العصمة فليس إلا رحماني وهذه الآية كما ترى متناسبة مع الوجه الأول دون الوجه الثاني.
فإن قلت: لو كان الأمر كذلك فما معنى قوله ]قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء [آل عمران/40، فإن ظاهره أنه خاطب ربه وسأله ما سأل، ثم أجيب بما أجيب، فما معنى هذه المخاطبة لو كان شاكاً في أمر النداء؟ ولو لم يكن شاكاً عندئذ فما معنى سؤال التمييز؟
قلت: مراتب الركون والاعتقاد مختلفة فمن الممكن أن يكون قد اطمأنت نفسه على كون النداء رحمانياً من جانب الله ثم يسأل ربه عن كيفية الولادة التي كانت تتعجب منه نفسه الشريفة كما مر، فيجاب بنداء آخر ملكي تطمئن إليه نفسه ثم يسأل ربه آية توجب اليقين بأنه كان رحمانياً فيـزيد بذلك وثوقاً وطمأنينة.
ويضيف السيد الطباطبائي:
ومما يؤيد ذلك قوله تعالى ]فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ[، فإن النداء إنما يكون من بعيد ولذلك كثر إطلاق النداء في مورد الجهر بالقول لكونه عندنا من لوازم البعد، وليس بلازم بحسب أصل معنى الكلمة كما يشهد به قوله تعالى في ما حكى دعاء زكريا: ]إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا [ مريم 3، فقد أطلق عليه النداء بعناية تذلل زكريا وتواضعه قبال تعزز الله سبحانه وترفعه وتعاليه، ثم وصف النداء بالخفاء، فالكلام لا يخلو من إشعار بكون زكريا لم يرَ الملك نفسه، وإنما سمع صوتاً يهتف به هاتف.
وقد ذكر بعض المفسرين – والقول للسيد الطباطبائي- أن المراد من جعله تعالى عدم التكليم آية نهيه عن تكليم الناس ثلاثة أيام، والانقطاع فيها إلى ذكر الله وتسبيحه دون اعتقال لسانه، قال: الصواب أن زكريا أحب بمقتضى الطبيعة البشرية أن يتعين لديه الزمن الذي ينال به تلك المنحة الإلهية ليطمئن قلبه ويبشر أهله فسأل عن الكيفية، ولما أجيب بما أجيب به سأل ربه أن يخصه بعبادة يتعجل بها شكره ويكون إتمامه إياها آية وعلامة على حصول المقصود، فأمره بأن لا يكلم الناس ثلاثة أيام بل ينقطع إلى الذكر والتسبيح مساءً وصباحاً مدة ثلاثة أيام فإذا احتاج إلى خطاب الناس أومأ إليهم إيماءً، وعلى هذا تكون بشارته لأهله بعد مضي الثلاث ليالي.
ويعلق السيد الطباطبائي على ما ذكره من قول المفسر:
وأنت خبير بأنه ليس لما ذكره (من مسألته عبادة تكون شكراً للمنحة وانتهائها إلى حصول المقصود، وكون انتهائها هو الآية، وكون قوله: أن لا تكلم مسوقاً للنهي التشريعي وكذا إرادته بشارة أهله) في الآية عين ولا أثر".[2]
والذي ذكرناه من قول السيد الطباطبائي نجده جامعاً لمعظم الآراء المقولة في معنى الآية المباركة.
وأول ما يلفت النظر في ما ذكره (قدس سره) رده لقول من قال إن سؤال زكريا (عليه السلام) الآية كان لأجل أن يخصه سبحانه بعباده يتعجل بما شكره، إذ حسب تقديرنا لما نجد من دلالة الآية المباركة فإن زكريا (عليه السلام) وجد فيما خصه به سبحانه من البشارة بيحيى (عليه السلام) نعمة لا سبيل له إلى شكرها، فأراد أن يجعل له سبحانه آية أي علامة يتحقق له من خلالها شعورٌ بأداء واجب الشكر على النعمة بالحد الأدنى.
فإن قلت: ولِمَ لم ينتدب نفسه لأداء الشكر على تلك النعمة بما يشاء من النوافل ؟
قلنا: لأن العبد لو انتدب عمره كله في شكر الله سبحانه لما أمكنه بلوغ الرضا في أداء الشكر، وكيف والشكر ذاته نعمة تحتاج إلى الشكر.
ولولا ما شرع سبحانه من الفرائض على عباده لما أمكننا وصف عبد من عبيد الله سبحانه بأداء واجب شكره تباركت أسماؤه، فمن رحمته تعالى بعباده أن فرض لهم فرائض يكون في أدائها شعور بأداء الحد الأدنى من شكره.
كما وأن الشكر بالفرائض فيه تحقيق لمعنى العبودية التي هي أسمى ما يتصف به المخلوق.
ومن هنا سأل زكريا (عليه السلام) ربه سبحانه أن يجعل له آية يكون في أدائها رضا ربه تباركت أسماؤه عليه بتحقق الواجب من شكره على نعمائه.
وهذا يعني أن قوله تعالى ]قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ[ آل عمران/41محمول على الفريضة التي فرضها عليه وليس على فقدانه الإمكان على التكلم بشكل قهري أي أن الله سبحانه جعل صومه عن الكلام ثلاثة أيام وذكره ربه كثيراً والتسبيح بالعشي والإبكار علامة لتحقيق شكره لله سبحانه على ما أنعم به عليه. وإذاً فـ "لا" في القول المبارك هي "لا" الناهية وليس "لا" النافية.
ويدل على ذلك أمور:
أولها: أنه سبحانه قال ]أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ[ الآية ولو كان المقصود سلب إمكان الكلام عنه قهراً ثلاثة أيام لما كان لتخصيص ذلك بـ "النَّاسَ" مسوغ لأن سلب الإمكان على التكلم يقتضي عدم إمكانه تكليم الناس من دون أن يكون هناك داعي لذكر "النَّاسَ".
ثانيها: العطف الوارد في الآية المباركة يجعل من المعطوف مضموماً في الآية التي جعلها سبحانه لزكريا (عليه السلام) فآية زكريا أن لا يكلم الناس ويذكر ربه كثيراً ويسبح بالعشي والإبكار، ومعلوم أن ذكر الله تعالى والتسبيح لا يراد منه الذكر والتسبيح ذو الطابع القهري وإنما الاختياري، فيرجح أن يكون عدم تكليم الناس ثلاثة أيام كذلك.
ثالثها: الذكر والتسبيح منه ما هو قلبي وما هو قولي، والأخير يكون فيه صدور كلام ولو غير مسموع إلا لصاحبه كصلاة الاخفات وبما أن الذكر والتسبيح مطلق غير مقيد فليس لنا أن نقول بأحد قسميه دون الآخر.
فإن قلت: إن في عدم تكليمه الناس قرينة على أن المراد منه القلبي دون القولي في ما لو حملناه على الآية القهرية.
قلنا: إن عدم التكلم مقيد في الآية المباركة بالناس حصراً وهذا الحصر في حد ذاته مانع ظاهر من جعله قرينة على تقييد الذكر والتسبيح بالقلبي.
رابعها: الآية التي جعلها سبحانه لنبيه زكريا وهي عدم تكليمه الناس ثلاثة أيام إن حملت على كونها قهرية فإنها تدل على سلبه تعالى نعمة النطق المعتاد من زكريا (عليه السلام) وحسب تقديرنا فإنه تعالى لا يسلب من عباده المصطفين نعمة أنعم بها عليهم بل هو ظاهر بالإنعام عليهم بالرحمة والبركات، وتبعاً لما كتب سبحانه على نفسه من الرحمة فإن آياته لعباده ظاهرة في وهب النعم لا سلبها.
خامساً: لو كان عدم تكليم الناس أمراً قهرياً لكان الاستثناء الوارد في قوله تعالى ]آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا[ آل عمران/41 زائداً لأنه إن سلب عنه إمكان التكلم فإنه سيلجأ إلى الإمكان المتاح للتواصل مع الناس وهو إيصال ما يريده إليهم عن طريق الإشارة المعبر عنها بالرمز سواءً أذكر الاستثناء أم لم يذكر.
سادساً: الظاهر أن الصوم عن الكلام كعبادة لله تعالى كانت معروفة في زمن نبي الله زكريا (عليه السلام) لظاهر قوله تعالى لمريم (عليها السلام) ]فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [ مريم: 26، وهذا يعطي دليلاً على أن ما كان من عدم تكلم زكريا هو حال من العبادة فرضها عليه سبحانه بعدما طلب أن يجعل له آية.
ومن كل ذلك يتحصل أن المعنى المقصود في قول زكريا (عليه السلام) ]رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً[ هو سؤال الآية التي من خلالها يحقق شكره لربه جل وعلا.
أما ما ذكره السيد الطباطبائي في رده على ما نسبه إلى بعض المفسرين بقوله:
"وأنت خبير بأنه ليس لما ذكره (من مسألته عبادة تكون شكراً للمنحة وانتهائها إلى حصول المقصود، وكون انتهائها هو الآية، وكون قوله: أن لا تكلم مسوقاً للنهي التشريعي وكذا إرادته بشارة أهله) في الآية عين ولا أثر".
فهو وإن جاز أن يكون رداً على موضوع بشارة أهله وفي كون انتهاء الآية دليلاً على حصول المقصود، لكنه لا يصلح رداً على القول أن "لا تكلم" مسوقاً للنهي التشريعي، ولا على القول إن سؤال زكريا (عليه السلام) كان لأجل فرض عبادة له من الله سبحانه تكون شكراً للمنحة أي للنعمة التي أولاه بها سبحانه.
وكيف لا يكون لحمل الآية المباركة على ذلك عين ولا أثر بعدما بيناه من دلائل ثبوتها الظاهرة البيان.
والحق أن ما ذهب إليه السيد الطباطبائي (قدس سره) من أن الآية التي سألها زكريا كانت لأجل أن يتحقق من أن النداء الذي نادته به الملائكة كان رحمانياً وليس شيطانياً هو ما لا عين ولا أثر له في الآية المباركة، ولو جاز أن الأنبياء (عليه السلام) يسعون إلى التمييز بين نداء الملائكة ونداء الشيطان بطلب الآيات التكوينية التي لا قبل للشيطان بإحداثها لاستوجب الأمر آية كالتي سألها زكريا (عليه السلام) عند كل نداء تنادي به الملائكة الأنبياء (عليهم السلام).
ثم إن ما ذكره "رحمه الله" بقوله:
"فإن قلت: لو كان الأمر كذلك فما معنى قوله ]قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء[ آل عمران/40 الآية فإن ظاهره أنه خاطب ربه وسأله ما سأل، ثم أجيب بما أجيب، فما معنى هذه المخاطبة لو كان شاكاً في أمر النداء؟ ولو لم يكن شاكاً عندئذ فما معنى سؤال التمييز؟
قلت: مراتب الركون والاعتقاد مختلفة فمن الممكن أن يكون قد اطمأنت نفسه على كون النداء رحمانياً من جانب الله ثم سأل ربه عن كيفية الولادة التي تتعجب منه نفسه الشريفة كما مر، فيجاب بنداء آخر ملكي تطمئن إليه نفسه ثم سأل ربه آية توجب اليقين بأنه كان رحمانياً فيزيد بذلك وثوقاً وطمأنينة".
حجة ظاهرة على نفي ما ذهب إليه، ولا يدفع رسوخها ما ذكر من قوله "مراتب الركون والاعتقاد مختلفة…"، لأن ما قاله لا يعدو الفرضيات التي لا دليل عليها في الآية المباركة، وكيف يسوغ لنبي أن يطمئن لنداء الملائكة ثم يسأل أمراً فيجاب فيطمئن ثم يشك فيسأل ربه آية توجب اليقين وكل ذلك في قضية واحدة.
ترى كيف سيكون الأمر إن تعددت القضايا وتكاثر النداء ؟!
أما ما ذكر (قدس سره) من شواهد الآيات مثل قوله تعالى ]وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[ الحج: 52، فإنها لا تصلح شاهداً على ما قيل من موضوع التحقق من النداء وما إذا كان رحمانياً أم شيطانياً، فالآية المباركة لا يحمل معناها على إلقاء الشيطان في نفس الرسول أو النبي بحيث يحصل عنده اشتباه فيما يلقى إليه بين أن يكون رحمانياً أم شيطانياً، بل معنى الآية أن ما يتمناه الرسول أو النبي من إشاعة الخير والصلاح بين الناس بتحقيق الدعوة الإلهية المقدسة والدولة الربانية المباركة يسعى الشيطان لأن يلقي فيها – أي في تلك الأمنية – ما يحاول به عرقلتها باختلاق الشبهات فيها، لكن الله سبحانه بالمرصاد فيمحو ما يلقي الشيطان بل يجعل مكره محيطاً به، ثم يحكم الله آياته إذ تظهر بتجليها التام للمؤمنين الذين امتحن الله قلوبهم بالإيمان.
ومن نظر إلى الآيات الكريمات التي تتلو هذه الآية يجد الأمر جلياً وهي قوله تعالى ]لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[ الحج: 53-54.
وهكذا لا تزيد الآيات المباركات التي يذكر فيها سبحانه جوانب من أفعال أنبيائه (عليهم السلام) المؤمنين بعصمتهم إلا إيماناً بما عرفوه من الحق.