في
"غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر"
قال تعالى {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} الفتح: 1-3
لا نريد أن نطيل في نقل ما أورده بعض المفسرين، وما قد يعتقده غيرهم من أن الله سبحانه إذ غفر للرسول ما تقدم وما تأخر من ذنب فقد دلل على صدور الذنب منه، وجواز صدوره مستقبلا حتى أوردوا ما نصه: "بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه فيقول له القائل: أتفعل ذلك وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيجيب (صلى الله عليه وآله): أفلا أكون عبداً شكوراً" [2].
ولا يخفى أن في الحديث تلميحاً لمعتقد أن ذنب الرسول (صلى الله عليه وآله) المشار إليه في الآية المباركة هو مما يأتي به العبد معصية لخالقه سبحانه إذ السائل يجد انه ما دام الله قد غفر لرسوله فما الداعي لكثرة قيام الرسول، أليس – كما في ظن السائل – قيام القائم هو للاستغفار وإذا تحقق الأخير فلأي سبب يكثر المغفور له القيام؟
ومن قال بعدم عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) احتج بهذا المنحى في تفسير الآية المباركة.
والحق أن تدبراً بسيطاً للآية المباركة كفيل بأن يعطي دلالة لا لبس فيها على أن المراد بالذنب فيها غير الذنب الذي هو معصية لله سبحانه، فبخصوص معنى الذنب في اللغة يقول الراغب في المفردات: "والذنب في الأصل الأخذ بذنب الشيء، يقال ذنبته أصبت ذنبه، ويستعمل في كل فعل يستوجب عقباه اعتباراً بذنب شيء ولهذا سمي الذنب تبعة اعتباراً لما يحصل من عاقبته" [3].
وعليه فلا يوقف الذنب على الفعل الذي يعصي فيه المخلوق خالقه وإنما يتعداه في المفهوم العام إلى كل فعل يجر تبعة على فاعله تستلزم أخذه به عند غيره بغض النظر عما إذا كان الفعل منكراً أم معروفاً، وخير مثال عليه ما جاء في كتاب الله العزيز من قول موسى (عليه السلام) عندما أرسله سبحانه إلى فرعون وقومه: ]وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ[ الشعراء: 14، وظاهر فيه أن قوم فرعون كانوا يلحقون موسى بتبعة فعل صدر منه هو ذنب عليه لهم مع أن ما فعله موسى (عليه السلام) لم يكن فعلاً منكراً يدخله في معصية ربه سبحانه، ولو كان ذنبه الذي ذكر في الآية المباركة معصية لربه لكان الأولى أن يكون المالك للأخذ به هو الله سبحانه، ولوجب أن يقول موسى ولك لا (ولهم)، فدل على أن ذنب موسى (عليه السلام) كان فعلاً منه استلزم عقوبة فرعون وقومه له، وهو لا يتعدى جهة نظرهم إلى الفعل وسننهم الحاكمة فيه إلى فاعله.
ومثله ما قد يكون ذنباً تحاسب عليه أمة من الأمم على وفق ما تسنه من قوانين مع انه من جهة الشارع المقدس لا يعد فعلاً منكراً، ومنه الذي نجده في قوانين الأمم التي لا تدين بدين الله من اعتبار الزواج بأكثر من امرأة واحدة ذنباً يلحق بفاعله العقوبات مع انه عندنا حلال، ولا تبعة لفاعله حد الأربع.
وهكذا نخلص إلى أن الذنب الذي كان للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)الذي غفر سبحانه ما تقدم منه وما تأخر كان ما وجده أهل مكة على الرسول (صلى الله عليه وآله) من فعل استوجب من جهتهم عقابه عليه وغفرانه إسقاط تمكينهم منه بنصر الله سبحانه رسوله نصراً عزيزاً.
والمتدبر في الآيات الكريمات يجد في قوله تعالى ]إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا[ – وهو صلح الحديبية – علة لحصول غفران ما تقدم من ذنبه (صلى الله عليه وآله) وما تأخر وهذه العلة تنفي أي احتمال لفهم الذنب الذي أشارت إليه الآية المباركة على غير ما كان أهل مكة يتحينونه من إلحاق الأذى بالرسول (صلى الله عليه وآله) ونصب العداء له لما وجدوه من ذنب لهم عليه من فعله في تسفيه أحلامهم ومقارعة باطلهم ونبذ معتقداتهم.
وكان الفتح كفيلاً بإعدام أية تبعة قد يجرها المشركون من أهل مكة على الرسول (صلى الله عليه وآله) والآية بشارة إلى الرسول من ربه.
ولو أن المراد بالمتقدم من الذنب والمتأخر هو مما فيه معصية لله لما علل سبحانه الغفران بالفتح، ذلك أن الفتح من فعل الله لرسوله، والغفران مترتب عليه، فهو معلول له، فلو لم يكن – الفتح – لما حصل الغفران، الأمر الذي يدلل على أن الذنب ليس من ذنوب المعاصي لله سبحانه، إذ لا لازم لغفرانه إلا إرادته تعالى فهو ]يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[ آل عمران: 129.
أما عندما يكون الذنب مما يجده المشركون على الرسول من فعله فيهم فان في كسر شوكتهم وتقويض بنائهم الباطل وهو الفتح المبين الذي أشارت إليه الآية المباركة علة ظاهرة لإعدام إمكانهم في النيل من الرسول وهو المتحقق من دلائل الآية المباركة من واقع الحال، فبعد الفتح ما عاد مشركوا مكة يطلبون الرسول بشيء مما كانوا يجدونه من ذنبه بل صاروا مطلوبين له متطلعين لعفوه ورضاه، وهو نصره العزيز الذي تجلى بفتح مكة.
-----------------------------------
[2] تفسير القرآن العظيم: تفسير سورة الفتح. [3] المفردات كتاب الذال ص181. |